الخبراء الروس ورهانات النفط والغاز: نذهب إلى الحج والناس عائدون (!)

الخبراء الروس ورهانات النفط والغاز: نذهب إلى الحج والناس عائدون (!)

د. خالد العزي

حصلت روسيا على تذكرة حظ بـ 160 مليار دولار خلال ارتفاع أسعار النفط والغاز، وبسبب الكساد والانكماش العالمي، نتيجة وباء كورونا وغزوة روسيا لأوكرانيا، مما اضطر الدول الغربية إلى فرض عقوبات على استيراد الغاز والنفط من روسيا وساهم ذلك بالارتفاع المتصاعد للأسعار.

وقال محللون في مجموعة “سيتي غروب” الروسية: “إنه نتيجة لصدمة السلع لعام 2022، سيتم إعادة توزيع 5 إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي لصالح منتجي المواد الخام، فالوضع الحالي يمكن مقارنته بأزمة الطاقة في السبعينيات”.

فاقمت “أوبك” توقعاتها المرتفعة للنفط الروسي، وأعطته حقا فرصة للربح. كما تم الاعلان عن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي في مركز تطوير الطاقة، وزاد نمو عائدات المصدرين الروس للنفط والغاز والفحم في عام 2022 مقارنة بما قبل الوباء 2019، إذ قد يصل إلى 160 مليار دولار، وهو ما يقرب من 9 % من الناتج المحلي الإجمالي لروسيا. إذا أخذنا في الاعتبار تأثير العقوبات، فقد يصل نمو الإيرادات إلى حوالي 63 مليار دولار.

يحذر الخبراء الذين شملهم استطلاع “سيتي غروب” من تأرجح جدول  أسعار الوقود في الاتجاه المعاكس. لذا فإن روسيا بحاجة إلى وقت لاستخدام الفوائد التي لا يزال يتم استخراجها بشكل فعال.

ومن المتوقع، أن تصيب الطاقة جائحة، نتيجة تزايد ضغوط العقوبات على روسيا  التي كانت أحدى موضوعات منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي الذي انعقد في 17 حزيران -يونيو الحالي، وكانت  كلمة الافتتاح للرئيس فلاديمير بوتين كلمة نارية، كأنه بات عليه تحديد الاستراتيجية الدولية، بالوقت الذي تترنح فيه بلاده تحت العقوبات، وجيشه في أوكرانيا يسجل نكسة تلوى النكسة. وعرض نائب رئيس الوزراء التحديات التي تواجه سوق الطاقة العالمي ودور روسيا في أجندة الطاقة الجديدة.

إذن، تدخل صناعة النفط والغاز العالمية مرحلة تغيير هيكلي دراماتيكي، كتوضيح للاتجاهات المتضاربة في سوق الطاقة، ويمكن للمرء أن يأخذ بعين الاعتبار، تقديرات محللي مجموعة Citigroup في دراستهم الجديدة للأسواق، ولما يدفعه مشترو السلع الأساسية العالميون، أي 5.2 تريليون دولار للمصنعين في عام 2022 وهو رقم أكثر مما دفعوه في عام 2019 قبل الجائحة. والسبب هو ارتفاع أسعار السلع. وهذا يعادل 5٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

وبالنظر إلى أن الأسعار الآجلة للنصف الثاني من هذا العام قد تحققت، فيمكن عندها أن يدفع المشترون 6.3 تريليون دولار أكثر مما كان عليه الحال في عام 2019. وسيكون هذا معادلا لإعادة توزيع 6% بالفعل من الناتج المحلي الإجمالي العالمي لصالح منتجي المواد الخام.

المشكلة أن الروس في حالة من الثبات، ويرون بأن ارتفاعات السوق هي أرباح صافية لتطور اقتصاد بظل الطفرة الحالية، لكنهم لا يدرون بأن روسيا باتت بأزمة  وعزلة بسبب العقوبات وهي في ورطة.

وصف المحللون أوروبا وبعض الاقتصادات الناشئة بأنها الأكثر عرضة للخطر على الاقتصاد العالمي الذي يعاني من التضخم، بما فيه الاقتصاد الروسي المعاقب. وأشاروا أيضا إلى أنه على الرغم من وجود فائزين نسبيا، ولكن بشكل عام، سيكون تأثير مثل هذه الصدمة، سلبيًا بالنسبة للاستهلاك والنمو العالمي وستكون روسيا في طليعة المتضررين، لجهة الانكماش واستمرار العقوبات لمدة طويلة.

أوضح مدير مركز الخبرة الاقتصادية في معهد الإدارة الحكومية والبلدية التابع للكلية العليا للاقتصاد بجامعة الأبحاث الوطنية الروسية، مارسيل ساليكوف، أنه خلال أزمة السبعينيات، “بلغ الإنفاق على الطاقة 12-13% من الناتج المحلي الإجمالي سنويا”، ولكن لا يرى الروس سوى الاستفادة من هذه الأسعار بظل تراجع مبيعاتهم في الأسواق العالمي، والتي ستتراجع لاحقا، فإذا لم يكن هناك انخفاض حاد في الأسعار، فعندئذ، “سيكون مستوى مماثل نموذجيا لهذا العام”. ومع ذلك، يجب أن نفهم أننا نتحدث عن إعادة توزيع الموارد المالية من مستوردين صافين إلى مصدرين صافين. ويعتمد التأثير الصافي على الاقتصاد العالمي على كيفية استخدام هذه الأموال.

وفقا لتقديرات من قبل رئيس مركز تطوير الطاقة، كيريل ميلنيكوف، فإن نمو عائدات المصدرين الروس للنفط والغاز والفحم، نتيجة ارتفاع الأسعار في عام 2022، مقارنة بعام 2019، قد يصل إلى حوالي 160 مليار دولار، وهو ما يعادل حوالي 9 مليارات دولار % من الناتج المحلي الإجمالي لروسيا في عام 2021 بالدولار.

“ومع ذلك، إذا أخذنا في الاعتبار تأثير العقوبات، والذي يتم التعبير عنه في كل من انخفاض حجم الصادرات وانخفاض الأسعار مقارنة بالعالم الأول (يُباع النفط والفحم من روسيا الآن في السوق العالمية بسعر مخفض)، فإن نمو الإيرادات في عام 2022 مقارنة بعام 2019 قد يصل إلى حوالي 63 مليار دولار”.

وتتوقع منظمة أوبك تراجع إنتاج النفط في روسيا الاتحادية، هذا العام بنسبة 1.6% مقارنة بعام 2021 ويبلغ 10.63 مليون برميل. في اليوم (ب/ث). وهذا أسوأ من تقديرات كانت في الشهر الخامس من هذا العام  وبالتالي سيكون هذا التفاؤل الروسي في خبر كان.

على الرغم من أن السعر قد يتأرجح في الاتجاه المعاكس. إلا أن “تاريخ سوق الطاقة، ولا سيما سوق النفط، يظهر أن فترات ارتفاع الأسعار تتبعها دائما فترات ركود عميقة مماثلة، ومن الناحية العملية، تبتعد الدول الغربية بشكل متزايد عن خطاب “النمو الأخضر” وتسعى جاهدة لإيجاد مصادر بديلة للمواد الخام التقليدية لروسيا. وبمجرد أن تبدأ مشاريع التعدين هذه في غضون عامين أو ثلاثة أعوام، ستنخفض الأسعار.

إن مخاطر حدوث ركود اقتصادي في عدد من الدول المتقدمة (الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي) مرتفعة، مما سيؤثر سلبًا على الطلب على النفط. لذلك بحلول نهاية العام، ومن المحتمل أن نشهد مستويات أسعار أقل.

وإذا تحققت الافتراضات المتعلقة بحدوث ركود في البلدان التي تعد المستهلك الرئيسي للنفط والغاز، فحسب المحلل سيرغي بيغاريف سيؤدي ذلك إلى انخفاض الأسعار إلى ما دون مستوى 65 دولارا.

ووفقا لكبير الباحثين في مركز دراسات التجارة الدولية ف RANEPA، ألكسندر فيرانشوك، ستظل روسيا مضطرة لمواجهة القيود المفروضة على إمدادات الطاقة إلى أوروبا والتي ستدخل حيز التنفيذ في النصف الثاني من عام 2022.

وبدورها تقول الأستاذة المشاركة في معهد الإدارة والإقليم الروسي، تامارا سافونوفا، إن الأرباح الإضافية لقطاع النفط والغاز الروسي يمكن توجيهها أيضًا لدعم البرامج الخاصة بالشرائح الأكثر ضعفا من السكان، وشراء الأدوية للأشخاص الذين يعانون من أمراض نادر.

لذلك، من المحتمل أن تكون المهام الاقتصادية الرئيسية للدولة هي الحفاظ على كفاءة الجهاز المصرفي، ودعم الشرائح السكانية الأشد فقرا، وتخفيف الصدمة الناجمة عن انخفاض الواردات ومن الضروري تحويل مناهج تطوير وتشكيل تدفق الاستثمار إلى تقنيات طاقة مبتكرة وصديقة للبيئة مطلوبة في المستقبل.

إن روسيا بحاجة إلى تكثيف النمو الصناعي وتقديم قروض رخيصة طويلة الأجل، لتطوير أي صناعة، ومن الضروري أن يكون لديها الوقت لاستبدال المعدات الأجنبية بالكامل بـ “نظيراتها المحلية في أسرع وقت ممكن. مثلا التحدث عن صناعة السيارات وبناء الطائرات وبناء السفن”.

أيضا تحدث الخبراء عن احتمال إعادة توزيع مجالات النفوذ في سوق الوقود العالمي. وهناك دعوات للتحالف مع الدول المستوردة واستخدام الاحتياطيات الاستراتيجية، لكن الإفراج عن هذه الاحتياطات ليس له تأثير طويل الأجل على أسعار النفط العالمية.

عاش الروس الطفرة النفطية حوالي ثلاثين عاما، وجنت الأوليغارشية المنافع الكبرى على حساب الاقتصاد الروسي، ولم تعمل روسيا على تطوير الصناعات المتوسطة التي ارتبطت أسواقها على الطلب الخارجي، مما ساهم بإفقار الصناعات الخفيفة والمتوسطة والصناعات الثقيلة، لكن بظل العقوبات المفروضة على روسيا وشركاتها وكياناتها، بدأت الدولة والخبراء الاقتصاديون كحالة بناء اقتصاد وطني منتج مقاوم بوجه الغرب، وكأنهم يطبقون المقولة العربية “يذهبون للحج والناس عائدون”، فالمشكلة بأن الثروة الاقتصادية الكبيرة والفساد التي تعيشها روسيا، منعتها من ذلك طوال الفترة السابقة، لأن النظام كان متحالفا مع الفساد ورأس المال للإطباق على الدولة الروسية حتى إلى هذا اليوم، حيث بات الجميع يتكلم بطريقة شعبوية، بعيدا عن معالجة الأزمة ومسبباتها للحفاظ على الاقتصاد الوطني.

Visited 7 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. خالد العزي

أستاذ جامعي وباحث لبناني