حكاية مغربي في جبهة القتال مع أوكرانيا

حكاية مغربي في جبهة القتال مع أوكرانيا

عبد الرحيم التوراني

للحروب إكراهاتها الإنسانية ومنطقها الخاص، كما أن لها أيضا أعرافها التي تطيح بالقوانين، سواء المحلية منها أو الدولية. 

عندما اندلعت الحربين العالميتين الأولى والثانية في القرن الماضي، لم تكن البلدان العربية في صلب وجوهر أسباب قرع طبولها أو خلف إشتعال نيران مدافعها، ولا كانت طرفا في مفاوضات إنهائها. لكن بعض المواطنين العرب وجدوا أنفسهم ضحايا ومن حطبها، فحاربوا على جبهات القتال، مع هذا الطرف أو ذاك.

 حتى في الحرب الأهلية الاسبانية (ثلاثينيات القرن العشرين)، قام الجنرال فرنسيسكو فرانكو بتجنيد أعداد كبيرة من أبناء المنطقة الشمالية في المغرب، وكانت تحت هيمنة الاستعمار الاسباني، فزجّ بهم في صفوف قواته الفاشية لمحاربة الجمهوريين. لكن هذا لم يحل دون حضور وتواجد مقاتلين عرب ومغاربة إلى جانب الجمهوريين.

أما في الحرب الدائرة اليوم بأوكرانيا، فتشارك أعداد من المقاتلين من أصل عربي، بالتأكيد منهم مغاربة، وإن كانت نسبتهم غير محددة، ممن يوجدون ضمن أرتال الجيش الروسي، أو بالجيش الأوكراني، إذ منذ عقود طويلة ارتبط كثير من الطلاب العرب بعلاقات زواج مع نساء من الاتحاد السوفييتي، وأنتجت تلك العلاقات أبناء وبناتا، هم يحملون اليوم جنسة مزدوجة.

 وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي تفرقت جنسيات هؤلاء حسب الجمهوريات التي خرجت من طوق حكم السوفييت.

في ظل هذا الوضع وجد كثيرون أنفسهم عالقين وسطه. 

على سبيل المثل، نورد هنا حالة شاب مغربي – أوكراني، مولود من أب مغربي وأم روسية. وقد رأى النور بالدار البيضاء بالمصحة المتعددة الاختصاصات (بولوكلينيك) درب غلف، في ديسمبر 1991، وبعد بلوغه أربع سنوات من عمره انتقل الطفل مراد رفقة والدته إلى كييف ، حيث ترعرع بها وتابع دراسته بمدارسها وجامعاتها، ثم أصبح يحمل جنسية أوكرانية، طبعا إلى جانب جنسيته المغربية. 

 صباح اليوم تواصل معي صديقي عز الدين صبري، أستاذ اللغة الروسية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، ليخبرني بقصة ابنه الشاب مراد صبري. وقد فوجئ عز الدين، وهو في حالة النقاهة من المرض، بعدما غادر قبل يومين المصحة، بخبر تواجد فلذة كبده في أتون الحرب الدائرة الآن على الأراضي الأوكرانية. يقول عز الدين صبري في رسالته الخاصة التي وجهها إلي: 

 “أخبرك صديقي العزيز أنني توصلت بمعلومات هذا الصباح من أستاذي والمشرف على أطروحة تخرجي، ومن خلال ابنته المحامية، أن ابني مراد صبري ضمن الجنود المحاربين الآن من أجل تحرير مدينة كييف، التي درستُ بها أنا والده قبل حوالي أربعة عقود. وبعدما سُمح لوالدته بمغادرة كييف إلى مدينة ألفيف، مع طاقم السفارة الفرنسية التي تعمل بها منذ التحاقها بالديار الاوكرينية”. 

ويضيف عز الدين أن “زوجتي روسية، بينما ابني جنسيته أوكرانية – مغربية”، وأنه سبق لابنه أن قضى الخدمة العسكرية الإجبارية (سنتان) عندما بلغ من العمر 18 سنة.

 استفسرت من صديقي عز الدين هل هناك شباب آخرين مثل ابنه، من ذوي الجنسية المزدوجة الاوكرانية – المغربية يشلركون في الحرب، وهل هو من تطوع أم تم تجنيده؟ وهل لديه تفاصيل أخرى؟

 فرد علي بالنفي. وأنه لولا حالته الصحية التي هو عليها اليوم، من جراء مضاعفات معاناته من الإصابة بالوباء، لتنقل إلى السفارة الأوكرانية بالرباط لمعرفة كل التفاصيل. وأن رقم هاتف سفارة فرنسا بكييف، حيث تعمل أم مراد، لا يجيب. بعدما تم تعطيل شبكة التواصل مع ابنه، وهي شبكة vk.com التي جرى قطعها قبل بداية التدخل، لكونها شركة روسية. إضافة إلى صعوبة التواصل عبر موقع فيس بوك لانعدامه. 

لذلك لم يبق أمام عز الدين سوى أن يعول على أستاذه السابق في الجامعة الأوكرانية وابنته، كي يتصلا اليوم بالجهات المعنية في كييف كما وعداه، وتقديم صورة مراد ورقم هاتف والده في الدار البيضاء إلى الجهات الأوكرانية المعنية، لمعرفة بعض الأخبار عن مراد وهو في جبهة القتال.

اختلطت الإحساسات والمشاعر على أستاذ اللغة الروسية المتقاعد، لقد أربكته الحرب بأوكرانيا رغم احتمالاتها التي كانت متوقعة.

 وكباقي العائلات التي يدرس أبناؤها بهذا البلد، أو لها أقرباء يعيشون هناك، أصبح عز الدين يعيش حالة من الحزن. يقول إنه لم يتوقف عن البكاء، ولا يدري كيف سيتصرف. وقد كان عز الدين، بعد تقاعده هذا العام، يتهيأ للسفر إلى  كييف في الصيف المقبل، لقضاء فترة طويلة إلى جانب ابنه مراد الذي يعمل في المجال السمعي البصري، وسبق له أن حصل على تكوين في الولايات المتحدة الأمريكية. 

 مع اندلاع الحرب قبل ستة أيام، نشر عز الدين صبري تدوينات وصور مضادة للحرب، وغيّر صورة البروفايل على صفحته بالفيس بوك بصورة لمراد، كان بعثها إليه قبل بداية التدخل الروسي، ثم أردف بكتابة رسالة مفتوحة لولده المتواجد وحيدا في الحرب “يحارب دفاعا عن مدينة درس بها والده” كما يقول. جاء فيها:  

الطفل مراد صبري في سنواته الأولى بالدار البيضاء

ابني العزيز مراد صبري.. بعد التحية والصلاة على خير الأنبياء والمرسلين. نعيش يا بني قدرا أحمق الخطى خارج الرغبة وخارج المنطق لهذا أوصيك:  بأن ألا تساند إلا من معه الحق، حتى وإن كانت هذه الحرب قذرة، ولا دخل لك فيها، ولكن واقع الحال فرض وضعا جديدا لم يكن في الحسبان. ولا في الخيال، أنت مغربي المولد والتنشاة، وستظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ومهما كانت جنسيتك الثانية، احضن والدتك، ومارس قناعاتك بكل ثقة وحرية، فأنت سليل المقاومة والوطنية وفخر الأمة المغربية العظيمة بتاريخها وأعلامها الأفذاذ. واعلم أن الخالق الذي نجاني من موت محقق بسبب الوباء اللعين القادر على حمايتك ورعايتك ونصرتك، حتى ولو كنت في جبهة القتال. 

 الله معك ابني وفلذة كبدي. أحبك.. أحبك.. أحبك وإلى الأبد”.

 لم يعد يقتصر الأمر على مزودجي الجنسية من الأوكرانيين العرب أو غيرهم، بعد أن فتحت السلطات الأوكرانية باب التطوع أمام الأجانب للانضمام للدفاع عن حدودها لمواجهة التدخل الروسي. تماما كما جرى في حروبب سابقة، في أفغانستان والبوسنة والعراق، وقبلها في الحرب الأهلية باسبانيا. ورغم أن الحرب تاريخيا تُخاض باسم دول وبلدان وديانات وإيديولوجيات وقوميات، إلا أنها تستوعب من هم خارج كل هذه الإطارات، وتستقطب من ينحازون لمنطقها، وتقبل دماءهم.   

 ليست حالة مراد صبري منفردة بل هناك حالات كثيرة، من بينها عشرات الشبان اللبنانيين من أمثاله، الذين لهم امهات أوكرانيات.  مع اندلاع الحرب هناك استدعي الشاب اللبناني “ح” إلى الجندية وسيق إلى الحرب هو الذي لا يجيد حمل سكين. ومع غياب أبيه وانقطاع آثار أمه انشغل زملاؤه بالبحث عنه قبل أن يسرب “صوتية” إلى أحدهم، وفيها “هربت من نار لبنان فوقعت هنا في الجحيم، ادعوا لي فقط”.

Visited 3 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن