الإسلام و”الاستبداد الشرقي”؟

الإسلام و”الاستبداد الشرقي”؟

د. عز الدين العلام

ليس المقصود من الإسلام هنا دينا مثاليا، مفارقا للتاريخ، لا وجود له إلا في الأذهان. ولا هو يندرج ضمن تلك الآيات القرآنية التي تؤكّد أن الإنسان لا يؤمن حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه، ولا هو يندرج أيضا ضمن سلسلة الآثار النبوية التي ترى الناس “سواسية كأسنان المشط” وأنّ مكارم الأخلاق هي سرّ كل الرسالات السماوية وجوهرها. كما أنه لا يندرج ضمن تلك الأقوال المتكاثرة في هذه الأيام، والتي ترى الإسلام كلّه عدل ورحمة ولين وحلم وإيثار… فشتّان ما الفارق بين الفكرة والنية، وبين الواقع والفعل.

ما نقصده من نسبة الإسلام إلى النظام السياسي، هو تلك الأنظمة السياسية الفعلية التي تعاقبت على الرقعة العربية الإسلامية، بدءا من دولة الأمويين إلى دولة العثمانيين، مرورا بدولة بني العباس وكافة الدويلات التي تناثرت فوق الرقعة العربية-الإسلامية، مشرقا ومغربا. ما هي طبيعة هذه الأنظمة السياسية، وهي جمْع بصيغة المفرد، في انتسابها للإسلام، العامل المشترك بينها جميعا؟ ماذا كان يميز هذه الدول التي عمّرت، أصلا وفرعا، وربّما لا تزال، ما ينيف عن الأربعة عشر قرنا من الزمان؟ ألا يكون الانفصام الأزلي بين الحاكم والمحكوم، بين الدولة والمجتمع، الميزة الأساسية للنظام السياسي الإسلامي، وألا يكون هذا النظام مجرّد نسخة، وأحيانا كاريكاتورية، لنظام الاستبداد الشرقي؟  

كثيرة هي العلامات، ومتناثرة هي الشذرات، التي تؤكّد حقيقة استبداد الدولة الإسلامية، بدءا من معاوية بن أبي سفيان الأموي القائل : “نحن الزمان”، إلى هارون الرشيد العباسي الذي خاطب سحابة في السماء بقوله: “أمطري حيث شئت، فخراجك لي”، إلى الخليفة المتوكّل بالله في كلّ شيء، حتى حباه الله بألف جارية، تقول المصادر أنه “وطأهنّ جميعا “، إلى “مجنون الحكم” (العبارة للكاتب المغربي بن سالم حميش)، الحاكم بأمر الله الفاطمي الذي كان كالطفل في لعبه بالسلطة، حيث يقرر عند شروق الشمس ما سيلغيه قبل غروبها، مرورا بالحجاج بن يوسف الثقفي الذي رأى رؤوسا قد أينعت وحان له قطافها، أو ناصر الدولة الحمداني الذي ضاق درعا بشكاوى “المسجونين”، وتأذيهم من الجوع، “فعمد إلى تقتيلهم، وتقطيعهم حتى لم يترك فيهم أحدا”، وصولا إلى السلطان مولاي اسماعيل الذي دخل كتاب غينيس من بابه الواسع، لكثرة نسله وحرثه، ناهيك عن التمثيل برؤوس الخارجين عن الطاعة، والتفنّن في شتى أنواع التّعذيب…

لقد أكّد كثير من المفكرين والباحثين على الطابع الاستبدادي للدولة الإسلامية، بدءا من ذائع الصيت، العلاّمة ابن خلدون وأحاديثه عن العصبية والاستئثار بالسلطة، إلى كل أولئك الذين وضعوا اليد على استنساخ الدولة الإسلامية لأجهزة الإمبراطورية الفارسية المتهالكة، وأشاروا إلى الطابع الثيولوجي الذي كان يرفع الحاكم الإسلامي فوق مصاف البشر، باعتباره متصرّفا بمشيئة الله…

والواقع أنّ الأمر لا يقتصر على مفكرينا وباحثينا، فها هو ذا الفيلسوف الكبير “هيغل” F.w H egel لا يرى في تجربتنا التاريخية غير “نظام استبدادي”، وها هو ذا “كارل فيتفوغل” K. Wittfogel في كتابه الشهير حول “الاستبداد الشرقي”، يلاحظ غياب أي رقابة على الحاكم أو الخليفة في المجتمع الإسلامي، وها هو ذا الباحث المعروف “فرانز روزنتال” F Rosenthal، يشير في كتابه عن “مفهوم الحرية في الإسلام” إلى احتكار الحاكم لكل السلطات، وغياب أي شرعة فعالة لحماية حرية الأفراد، بل إنّه يضيف، والعهدة عليه، أنّ اللغة العربية لم تعرف مصطلحا يستخدم استخداما عمليا للتعبير عن كل ما يحمله مفهوم الحرية من سعة، حتى جاء التّأثير الغربي في مطلع العصور الحديثة…

نعم، أعرف جيدا أنّ هناك بعض الباحثين، مغاربة وغير مغاربة، يرفضون المماثلة بين طبيعة الدولة العربية الإسلامية وخطاطة الاستبداد الشرقي. وأنا أيضا أعي بعض الفروقات بين النظامين… ومع ذّلك، إذا كان بالإمكان المحاججة في طبيعة هذا الاستبداد، وما إذا كان شرقيا أو غير ذلك! فإنّ الأمر لا يمسّ في شيء حقيقة استبداد الدولة العربية -الإسلامية على مرّ تاريخها، وربّما إلى اليوم… وإلاّ فمَن من الأنظمة العربية، يتمّ فيها حقاّ تداول السلطة؟ وأي حاكم عربي هذا الذي انزاح عن السلطة من تلقاء نفسه، أو لفظته صناديق الاقتراع؟ البرهان واضح وضوح الشمس، بدءا من دمشق عاصمة الأمويين التي دخلت التاريخ والجغرافيا بجمهوريتها الوراثية، إلى بغداد عاصمة العباسيين، وما تعيشه يوميا من مخلفات الاستبداد، إلى حكم الثكنات المدججة بالأسلحة الثقيلة والخفيفة، إلى سلطة العشائر التي تفوح برائحة النفط العربي- الإسلامي! 

Visited 4 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

عز الدين العلام

باحث وأكاديمي مغربي