طلاب الجامعات ودورة الحياة الأمريكية!

طلاب الجامعات ودورة الحياة الأمريكية!
 
عبد العلي جدوبي
 
       تشير العديد من وسائل الإعلام الأمريكية، إلى أن  الحراك الطلابي بالجامعات الأمريكية ضد الإبادة الجماعية، التي تمارسها إسرائيل في قطاع غزة، تشير إلى تحول جذري عميق في صفوف الشباب الأمريكي، وهي مستندة على جيل جديد من أحفاد اليهود الأمريكيين، ممن يرفضون الركون إلى سردية الهوية اليهودية المندمجة بالإكراه مع الإيديولوجيات الصهيونية، ودولة إسرائيل، والتي تبرر سياسة الأبارتيد والفصل العنصري، وممارسة الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، فهناك وعي لدى الشباب الأمريكي، من طلاب الجامعات بالخصوص، يناهض سردية  اليهود كضحية مطلقة، وهي العقيدة الغربية التي ترسخت لديهم من قبل، حيث أصبحت شخصية اليهودي هي الشخصية التي تصوغ المشهد الأخلاقي في الفكر الأوروبي الأمريكي، باعتباره الضحية الفريدة، وهذا أمر لم يعد مقبولا الآن لديهم.
    وكان الفيلسوف الفرنسي (جان بول سارتر) من الأوائل الذين قدموا اليهود كضحية، وعلى خطاه سار (ايمانويل لفيناس) وآخرون، فهم لم يتخيلوا اليهودي بأية  صورة أخرى غير صورة الضحية، لكن يبدو الآن ما تشهده أربعون جامعة أمريكية، وفي مقدمتها جامعة كولومبيا في نيويورك، التي تأسست عام 1754، من حراك طلابي قد أفشل آلة  الدعاية الصهيونية الغربية، وبعض الأصوات العربية الصدئة في التغطية على جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل في غزة، وتآكلت المبادئ والقيم الأمريكية، وخلقت انقسامات جديدة في المجتمع الأمريكي، لها تداعيات مباشرة على الاستحقاقات الرئاسية القادمة. كما طرح الحراك الطلابي في الجامعات الأمريكية وفي كندا وأستراليا، وفي عدد من الدول الأوروبية، مسألة مزاعم مفاهيم حرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان والديمقراطية، التي تزعم الولايات المتحدة الأمريكية أنها تدعمها أمام ما تشهده حالة القمع والاعتقالات والتهديد بالسجن في حق الشباب بالجامعات الأمريكية.
    وهذه المرة الأولى- كما جاء في “نيويورك تايمز”، التي تقتحم فيها الشرطة الأمريكية حرم الجامعة الأمريكية، منذ الاحتجاجات المناهضة لحرب  فيتنام في نهايه ستينات القرن الماضي، وكانت رئيسة جامعة  كولومبيا العريقة في نيويورك (مينوس نعمة شفيق)، وهي من أصل مصري، قامت باستدعاء الشرطة لدخول الجامعة لفض التظاهرات، وقد أبدى مفوض الأمم المتحدة (فولكر ترك) انزعاجه إزاء سلسلة التدابير العنيفة المتخدة  لتفريق الاحتجاجات بالجامعة الأمريكية، مذكرا أن حرية  التعبير والحق في التجمع السلمي أمران أساسيان للمجتمع.
    من جانبه، الإعلام الصهيوني دق ناقوس الخطر لدى الحكومة الإسرائيلية، وطالبها بتدارك ما يمكن تداركه في الحفاظ على علاقة إسرائيل بطلبة الجامعات الأمريكية والغربية، الداعمة لطروحاتها والمدافعة عنها في كل المحافل والمنتديات الدولية، والعمل على محاصرة هذا الزحف الذي يضعف هيمنة  إسرائيل، حسب ما جاء في الإعلام الصهيوني.
    لقد تآكلت بنية  وجود إسرائيل، من خلال النزوح الكثيف للإسرائيليين بعد طوفان الأقصى إلى الخارج، تحت وطأة ضربات المقاومة الفلسطينية، والمشاكل الداخلية والوجودية (خساره إسرائيل تجاوزت 67 مليار دولار)، ونبوءات متوارثة ومخيفة عن زوال إسرائيل إلى الأبد، وباتت خطابات ومعاداة السامية، خطابات سخيفة لدى الشباب الغربي، ولا يمكن الآن أن تغطي على جرائم الحرب والإبادة التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، فالصهيونية بعد طواف الأقصى، تعيش حالة من الشك والارتباك وفقدان التوازن.
    لقد أدرك العديد من الطلبة والأكاديميين في أمريكا وكندا وأستراليا، وفي عدد من الدول الأوروبية، أهمية  مساندة الشعب الفلسطيني في غزة، والتصدي للمعتدي، ويعكس هذا التحول انتشار الوعي بقضايا العدالة الاجتماعية وحقوق الانسان، وتزايد الدعم للقضية الفلسطينية على المستوى العالمي، وأيضا وضع الطلاب الإدارة الأمريكية في مأزق كبير، بأن كشفوا للعالم زيف شعارات الإدارة الأمريكية حول العدالة الاجتماعية وحرية الرأي والتعبير وحقوق الانسان؛ حيث أن الإدارة الامريكية هي التي تنتهك ما التزمت به ظاهريا حول حقوق الإنسان، وتعتدي بالعنف على الطلبة في الجامعات وتعتقلهم وترمي بهم في السجون.
    هذا، ومما لا شك فيه، أن ما تشهده الجامعة الأمريكية، ستكون له تداعيات على الانتخابات الأمريكية المقبلة وعلى الحزب الديمقراطي بالخصوص، بعدما أظهرت استطلاعات الرأي تراجع شعبية الرئيس الأمريكي (جو بايدن)، بخصوص الدعم اللامحدود الذي تقدمه إدارته لإسرائيل لقتل الأطفال والنساء وتحطيم المباني والبنيات التحتية في غزة، وستكون للحراك الطلابي أيضا تبعات لعلاقات تل ابيب مع واشنطن، وقد يحد مؤقتا من الدعم الأمريكي لإسرائيل ماليا وعسكريا، ذلك أن الجيل الجديد يرفض السيطرة الصهيونية على دوائر صنع القرار، وبالتالي ستخسر إسرائيل دعم واستثمار الجامعات الأمريكية إلى  الأبد.. ويطلق عدد من السياسيين والمفكرين في الولايات المتحدة الأملاريكية على هذا الجيل من الشباب عبارات مثل: (قاده التغيير)، و(أمل مستقبل وصناعه)، (والنبض الحي لأمريكا)، في إشارات لأهمية شريحة الطلبة الجامعيين في دورة الحياة الأمريكية الجديدة على كافه المستويات والأصعدة.
 
Visited 54 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

عبد العلي جدوبي

صحفي مغربي