ستيبان بانديرا والبانديريون والمواجهة الروسية في أوكرانيا

ستيبان بانديرا والبانديريون والمواجهة الروسية في أوكرانيا

د. زياد منصور

استندت الحملة العسكرية الروسية ضد أوكرانيا على جملة من القواعد ، فبالإضافة إلى  تلك المتعلقة بمصالح روسيا الاستراتيجية والدفاعية في أوكرانيا، والموقف من الناتو وقضايا أخرى، شهدنا أن عدداً كبيراً من المؤرخين وصناع الرأي العام في روسيا، قد  ركزوا على إبراز شخصية ستيبان بانديرا والبانديروفتسي (البانديريون)، وعلى ودور النازيين الألمان والفرق النازية التي اعتبروها أنها هي من يقاتل في لوغانسك ودونيتسك، حيث وصفت بانها مجموعات متطرفة ونازية  تمارس أعمالاً شنيعة بحق الروس والمتحدثين باللغة الروسية والثقافة والحضارة الروسية، وكان لها دورها في نسف التاريخ  الناصع لنضال الشعبين الروسي والأوكراني ضد الاحتلال الألماني.  لذلك رأينا كيف أن بوتين ركز في خطابه الأخير على أهمية أن يعود الجنود الأوكران بعد أن يلقوا أسلحتهم إلى ذويهم، ولكنه لن يتهاون مع هؤلاء.    

فمن هم هؤلاء فعليا وما هو دورهم، وما هي الأبعاد التاريخية لهذه الحركة، ومن هو بانديرا؟  

 تشير الوثائق والمصادر التاريخية إلى أن ستيبان بانديرا كان سجيناً في سجن بولندي وقام الألمان بإطلاق سراحه، حيث كان يقضي عقوبة السجن المؤبد لقيامه بتنظيم اغتيال وزير الداخلية البولندي برونيسلاف بيراكي. ومنذ ذلك التاريخ اعتبر كدمية ألمانية خصوصاً أنه كان يعتبر، أن أي تعاون مع الألمان هو تكتيكي ومؤقت وغير معيب.   

على هذا الأساس وبدعم من هتلر تأسست منظمة القوميين الأوكرانيين (ميلنيكوفتسي) OUN (m)، وهي واحدة من فصيلين الأولى ترأسها ميلنيك، في أوائل 1940، والثانية منظمة القوميين الأوكرانيين OUN (b) التي مثلت الجناح المتشدد في هذه المنظمة وترأسها ستيبان بانديرا في العام 1941، وهي مجموعة أدعت لنفسها أنها حركة تحرر وطني، ومنظمة تعمل من اجل الاستقلال عن الحكم الشيوعي البولشفي، حيث عكسوا حسب زعمهم النضال الثوري المتمرد والسري الذي أثاره الشعب الأوكراني ضد الغزاة البلشفيين.   في ربيع عام 1941، أنشأ البانديريون الفيلق الأوكراني على أراضي بولندا كجزء من كتائب رولاند الخاصة وبلغ تعدادها 800 مقاتل، جنباً إلى جنب جنبا إلى جنب مع كتيبة ناختيغال (Nachtigall) التي تأسست على يد رئيس هيئة المخابرات العسكرية في الفيرماخت فيلهلم كاناريس، الذي فرض إنشاء هذا “الفيلق الأوكراني” تحت القيادة الألمانية.  في المقام الأول كان يدير هذه الحركات مواطنين من بولندا المحتلة من العرق الأوكراني. قاد هذه المجموعات كل من ياروسلاف ستيتسكو وميكولا ليبيد ورومان شوخيفيتش.    

في ليلة 30 حزيران 1941، دخلت كتيبة ناختيغال مدينة لفوف مع وحدات من الفيرماخت (الجيش الألماني). في نفس اليوم، أعلن شركاء بانديرا، بقيادة ستيتسكو، في اجتماع في دار الأوبرا في لفوف وثيقة “إحياء الدولة الأوكرانية”. حيث شكل هذا الإعلان أساساً أظهرت فيه هذه المنظمة استعدادها للتعاون مع ألمانيا من أجل النضال المشترك ضد موسكو” مع الاعتراف باستقلال أوكرانيا.            

 تورد بعض الأدبيات التاريخية أن هتلر غضب من هذا الإعلان، فقام باعتقال بانديرا في 5 حزيران – يونيو في كراكوف حيث تم سجنه في معتقل ساكسنهاوزن. وأمضى هناك أكثر من ثلاث سنوات في الحبس الانفرادي، ولكن في قسم وليس سجن خاص لـ “للشخصيات السياسيين”. في المقابل فإن المؤرخين الروس يعتبرون أن هذه الواقعة مجرد عملية حبكتها المخابرات الألمانية، أو ما كان يسمى بالخدمات الخاصة الألمانية بهدف بعيد المدى وهو رفع سمعة سلطة بانديرا في نظر الأوكرانيين.             

في 25 أيلول – سبتمبر 1944، عندما أصبح الرايخ الثالث على حافة السقوط، أطلقت السلطات الألمانية سراح بانديرا، وأحضرته إلى برلين وعرضت التعاون، حيث قيل إنه طالب الألمان بالاعتراف بإحياء الجمهورية. لكن لم يتم إبرام أية اتفاقية معه، وحتى نهاية الحرب، كان بانديرا في ألمانيا في وضع غير معروف. بغض النظر عن هذه الأحداث التاريخية، والتساؤلات حول هذه الشخصية، فإنه من المهم الإشارة إلى العام 1920، حيث أنشأ الجنود السابقون لجمهورية أوكرانيا الشعبية المنظمة العسكرية الأوكرانية (أوفو) في تشيكوسلوفاكيا، وهي تشكل عسكري مكون من ضباط أوكران، سرعان ما ترأسها ضابط سابق في الجيش النمساوي المجري وشريك سيمون بيتليورا، يفغيني كونوفاليتس. حاولت أوفو العثور على مؤيدين في الأراضي الخاضعة لسيطرة وارسو. لهذا الغرض، على وجه الخصوص، تم إنشاء منظمات قومية للفتيان والشباب، حيث وقع تحت تأثيرها العديد من الشباب الجاليكيين، بما في ذلك ستيبان بانديرا، ليصبح فيما بعد قائداً لهذه المنظمة القومية.             

منذ اللحظة التي ترأس فيها بانديرا المنظمة، ازدادت الأعمال الإرهابية في غاليسيا بشكل حاد. كانت موجهة ضد السلطات البولندية والدبلوماسيين السوفييت، وضد السكان المحليين ذوي التوجهات اليسارية. 

في تشرين الأول 1933، بناء على أوامر من بانديرا، قتل الدبلوماسي السوفيتي أندريه ماسلوف. 

في عام 1934، شارك في تنظيم جرائم قتل وزير الداخلية البولندي برونيسلاف بيراتسكي ومدير المدرسة الأكاديمية الأوكرانية إيفان بابيا، كما نظم تفجير صحيفة “براتسيا”.   

في صيف عام 1934، تم اعتقال بانديرا. 

وفي في 13 كانون الثاني 1936، حكم على ستيبان بانديرا، مع شركائه، بالإعدام شنقا بتهمة قتل بيراتسكي، ولكن بعد ذلك تم استبدال عقوبة الإعدام بالسجن مدى الحياة.

 في عام 1939، تمت تصفية الدولة البولندية، فهرب السجانون، وأطلق سراح بانديرا. عاد إلى لفوف، لكن المدينة أصبحت بالفعل جزءا من الاتحاد السوفييتي، وسرعان ما فر ستيبان إلى الأراضي التي يسيطر عليها النازيون، حيث عمل على تنفيذ العديد من المهام وينسب إليه المجزرة الكبرى في لفوف بحق أهالي المدينة، ومن بينهم يهود في 30 حزيران- يونيو، وغيرها من أعمال التفجير وتنظيم الاغتيالات.   

إرث بانديرا اليوم!  

اليوم تتم عملية تمجيد شخصية بانديرا في أوساط المنظمات القومية الأوكرانية العاملة في الغرب. أما في روسيا اليوم فإن البانديريون هم كل الأوكران الذين تعاونوا مع الاحتلال الألماني. ومع ذلك، بعد إعلان استقلال أوكرانيا عام 1991، اتضح أن بانديرا كان لديه العديد من المعجبين والأنصار وخصوصاً في غرب أوكرانيا. وفقاً لاستطلاع للرأي أجرته مجموعة “ريتينغ” في عام 2014، فإن عدد الذين يعاطفون مع بانديرا بلغ 75% في مناطق غرب أوكرانيا. في عام 2018، وفقا لنفس “الاستفتاء”، كان لدى 36 % من الأوكرانيين بالفعل موقف إيجابي تجاه شخصية بانديرا.  

 قبل وقت قصير من نهاية فترة رئاسته، في عام 2010، منح فيكتور يوشينكو بانديرا لقب بطل أوكرانيا، لكن المحكمة ألغت هذا القرار لاحقا. في معظم كتب التاريخ الأوكرانية المنشورة بعد عام 1991، تم وضع بانديرا كشخصية تاريخية إيجابية بشكل لا لبس فيه.   في عام 2018، قرر برلمان أوكرانيا “الرادا” الاحتفال بالذكرى 110 لميلاد ستيبان بانديرا على مستوى الدولة -مع إقامة احتفالات خاصة ودروس في المدارس وتخصيص برامج تلفزيونية. وتقرر إصدار طوابع بريدية وعملات معدنية على شرفه.  

 وفقا لبعض المؤرخين المستقلين، كان بانديرا قوميا راديكاليا بالفكر وإرهابيا بالوسائل. ولو تمكن من إنشاء وقيادة الدولة الأوكرانية، فإنه بالتأكيد لن يكون ليبراليا وديمقراطيا. بانديرا ليس الرقم الذي ينبغي رفعه على الدرع إذا كانت أوكرانيا تحلم بمستقبل أوروبي.   على عكس سجال المؤرخين ففي روسيا يتهمون زيلينسكي بإهانة ذكرى ضحايا النازية من خلال تصريحاته حول أسباب الحرب العالمية الثانية، حيث اعتبرت تصريحات له حول اتفاقية عدم اعتداء السوفيتية الألمانية لعام 1939، والمعروفة باسم ميثاق مولوتوف-ريبنتروب، وتقسيم أوروبا الشرقية والوسطى إلى مناطق نفوذ، ما سمح هذا لألمانيا النازية بمهاجمة بولندا في 1 أيلول- سبتمبر 1939.

 في 17 أيلول- سبتمبر، دخل الجيش الأحمر الأراضي البولندية من الشرق. ويتهم زيلينسكي المولود من أب وأم يهوديين نسيانه أن على ضمير ستيبان بانديرا هناك نصف مليون أسير حرب سوفيتي معذب، 220 ألف بولندي، نصف مليون من سكان أوكرانيا.  ويخلص هؤلاء للقول إن قدر روسيا محاربة الطاعون البني – الفاشية، وللقرن الثاني على التوالي.    

يخلص المؤرخون الروس إلى اثبات حقيقة تاريخية، وهي أن ظاهرة مثل الفاشية كالباديريون ، لا يتم علاجها بالطرق العلاجية البسيطة، فإما أن يتم استئصال الورم السرطاني، أو فإنه سيقتل الجسم كله.

Visited 11 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. زياد منصور

أستاذ جامعي وباحث في التاريخ الروسي